أحمد بن محمد مسكويه الرازي
192
تجارب الأمم
فرجع الغلام فأخبر صاحبه ابن البعيث ، فأخبر ابن البعيث بغا بذلك ، فوقف بغا يشاور أصحابه ، فقال بعضهم : - « هذا باطل وهذه خدعة ، ليس من هذا شيء . » وقال بعض الكوهانيّين [ 1 ] : - « إنّ هذا جبل أعرفه . من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين . » فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممّن نشط ، فأشرفوا على الموضع فلم يروا فيه أحدا ، فيقن أنّه مضى وتقرّر رأيه على أن ينصرف في صدر النهار قبل أن يجنّهم الليل ، فأمر داود سياه بالانصراف ، فجدّ في السير ولم يعد في الطريق الذي دخل منه مخافة المضايق والعقاب ، وأخذ الطريق الذي دخل منه في المرّة الأولى يدور حول هشتاذ سر وليس فيه مضيق إلَّا في موضع واحد . فسار بالناس وبعث الرجّالة فرموا بأسلحتهم وطرحوا الرماح في الطريق ودخلتهم وحشة شديدة ورعب عظيم وصار بغا والفضل بن كاوس وجماعة [ 216 ] من القوّاد في الساقة ، وظهرت طلائع بابك ونزل بغا فتوضّأ وصلَّى ووقف في وجوههم وتخوّف بغا على عسكره أن يوافقه [ 2 ] الطلائع من ناحية ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قوم آخرون فشاور من حضره وقال : - « لست آمن أن يكون هؤلاء الذين بإزائنا مشغلة يحبسوننا عن المسير ويسبقوننا إلى المضايق قوم آخرون . » فأشار الفضل بن كاوس أن يوجّه إلى داود سياه وهو على المقدّمة أن يسرع السير ولا ينزل حتّى يجاوز المضيق ولو في نصف الليل . فأمّا نحن
--> [ 1 ] . كذا في الأصل وآ ومط : الكوهانيّين . ما في الطبري ( 11 : 1190 ) : الكوهبانيّين . [ 2 ] . في مط : أن تواقعه .